ماكس فرايهر فون اوپنهايم

266

من البحر المتوسط إلى الخليج

وأطلق عليه بعد وفاته اسم الجعفرية . وما بني في نينوى بجهد كثير من الملوك وعلى مدى مئات السنين أنجزه هنا بلمسة سحرية خلال أشهر قليلة حاكم واحد كان لديه ولع مفرط بحب الفخامة والعظمة ، وبطبيعة الحال على حساب البلد الذي تم استنزافه حتى آخر قطرة . يذكر كريمر « 1 » أسماء بعض المباني التي شيدها جعفر : قصر العروس ، المختار ، وحيد ، غريب ، حديقة العطاشية ، ومقر الإقامة الجديد جعفري . بعد أقل من تسعة أشهر اغتيل جعفر المتوكل أيضا وسارع ابنه وخليفته المنتصر إلى مغادرة المدينة التي أنفقت أموال هائلة على بنائها . عاد المنتصر إلى سامراء ، وتعرضت قصور الجعفرية للإهمال والخراب وأجبر سكان المدينة على مغادرة بيوتهم ، لا بل وأجبروا على أن يأخذوا معهم أثاث منازلهم وأخشاب البيوت وأبوابها . انشغل الخلفاء الثلاثة اللاحقون ، المستعين والمعتز والمهتدي ، كثيرا بالاضطرابات الداخلية وبدسائس جنرالاتهم إلى درجة أنه لم يكن لديهم وقت للتفكير بتشييد مبان فخمة جديدة . لكن الخليفة المعتمد الذي جاء بعد المهتدي بنى ، بعد ما سكن في البداية في قصر جوسق ، قصرا جديدا سماه المعشوق . إلا أنه هنا أيضا لم يستطع البقاء طويلا . فقد أجبرته الأحداث على مغادرة سامراء نهائيا والانسحاب إلى بغداد ، لا بل وفي وقت لا حق إلى المدائن ( طيسيفون القديمة ) . ليس معروفا على وجه التحديد في أي عام تم التخلي عن سامراء كمقر للحكومة ، ولكن يعتقد أن هذا قد حدث في عام 872 م . وبناء على ذلك تكون العظمة التي شهدتها هذه المدينة العاصمة قد دامت 37 عاما فقط لأن جميع الخلفاء اللاحقين ، بعد خروج المعتمد ، كانوا يتفادونها . ويجب أن تكون قد تهدمت بعدئذ خلال وقت قصير . وعلى أي حال فإن اليعقوبي الذي زار سامراء بعد أعوام قليلة من ذهاب الحكام - وحسبما يقول هو نفسه بعد 55 عاما من تأسيسها - لم يجد فيها سوى الآثار والخرائب « 2 » .

--> ( 1 ) تاريخ الحضارة الشرقية في عهد الخلفاء ، الجزء الثاني ، ص 58 ، 59 . ( 2 ) قارن المكتبة الجغرافية العربية ، طبعة دوغوييه ، الجزء السابع ، ص 268 .